SPLIT BRAIN

SPLIT BRAIN

د.حسن/أ.نوس

مصطلح يُستخدم عادةً لوصف حالة تنفصل فيها الاتصالات العصبية الرئيسية بين نصفي الدماغ، وأكثر مثال معروف عليها هو قطع الجسم الثفني (Corpus Callosum) بعملية جراحية.

يجب علينا معرفة نصفي الدماغ و وظائفهم و هل النصفان مترابطان ام لا.


يتكون الدماغ البشري من نصفين، و هم النصف الايسر و النصف الايمن 

النصفان غير منفصلين بشكل كامل، بل يتبادلان المعلومات عبر حزم من الألياف العصبية، أهمها الجسم الثفني.

عند إنقطاع هذا الاتصال، تبقى أنسجة نصفي الدماغ موجودة وتواصل العمل، لكن نقل بعض أنواع المعلومات من نصف إلى الآخر يصبح محدودًا بصورة كبيرة.

نصفي الدماغ يشتركان بمعظم الوظائف العقلية، لكن توجد بينهما تخصصات وظيفية (Functional Lateralization)، أي إن بعض الوظائف تكون أكثر اعتمادًا على نصف من الآخر، و ليس أن كل نصف مسؤول حصرًا عن وظائف محددة

إذ إن للايسر تخصصًا بارزًا في اللغة، و يكون مسؤولًا عن الكلام و الفهم في الغالب

بينما النصف الايمن يكون له تخصصًا بارزًا في وظائف الإدراك المكاني و الإنتباه

وظائف نصفي الدماغ.

ما هو الجسم الثفني؟ و ما اهميته؟

الجسم الثفني هو حزمة ضخمة من الألياف العصبية (White) تربط النصف الايمت مع النصف الايسر.

الجسم الثفني يسمح بانتقال المعلومات والتنسيق بينهما.

و وظائفه هي:

1-نقل المعلومات الحسية: حتى تتكامل المعلومات التي يعالجها كل نصف.

2-التنسيق الحركي: المساعدة على تنسيق الحركات التي تتطلب تعاون اليدين.

3-التكامل الإدراكي: السماح بمقارنة معلومات موزعة بين نصفي المجال البصري.

4-التكامل المعرفي: دعم تبادل بعض المعلومات المتعلقة باللغة والانتباه والذاكرة والإدراك.


الجسم الثفني هو ليس الارتباط الوحيد بين النصفين و لكنه أكبر اتصال بين النصفين، إذ توجد اتصالات عصبية أخرى، مثل Anterior Commissure(الصوار الامامي) ، ومسارات تحت قشرية يمكن أن تساهم في بعض أشكال التنسيق.

لذلك، قطع الجسم الثفني لا يعني إطفاء نصف الدماغ أو عزل كل خلية عصبية فيه عن النصف الآخر بصورة مطلقة، و لكن يسبب تراجع في قوة الترابط و العمل المشترك

الجسم الثفني.

الأساس التشريحي والفسيولوجي: كيف يتوزع الإدراك بين النصفين؟


1- المجال البصري 

العينان تستقبلان معلومات من جانبي المجال البصري. لكن الدماغ لا يعالج كل المعلومات التي تدخل العين اليمنى في نصفه الأيمن، ومعلومات العين اليسرى في نصفه الأيسر.

إذ تكون المعالجة بشكل منعكس أي إن العين اليمنى تعالج في الجانب الايسر و العكس صحيح.


أي المجال البصري الايسر، الذي تراه كلتا العينين، يُعالج في البداية بواسطة المناطق البصرية في النصف الايمن، بينما المجال البصري الايمن يعالج في النصف الايسر.


يحدث هذا نتيجة تنظيم الألياف العصبية عند Optic Chiasm

2- السيطرة على اليدين 

السيطرة الحركية في الدماغ تكون غالبًا متصالبة:

النصف الأيسر يسيطر على حركات الجهة اليمنى من الجسم بدرجة كبيرة.

النصف الأيمن يسيطر على حركات الجهة اليسرى بدرجة كبيرة.

لذلك، إذا عالج النصف الأيمن معلومة بصرية، فقد يستطيع المريض الاستجابة إلها بيده اليسرى.


3-اللغة 

عند أغلب الأشخاص، يكون النصف الأيسر هو المسيطر على الوظائف الرئيسية للغة، خصوصًا إنتاج الكلام، وكثير من جوانب معالجة اللغة.

متى تحدث حالة الدماغ المنفصل؟ و ما سببها؟


السبب الاشهر للدماغ المنفصل هي عملية جراحة علاجية، عند حالة الصرع epilepsy عندما يصبح المريض مقاوم للادوية، فَيصبح انتشار نوبات الصرع على نصفي الدماغ على شكل نوبات و لا يمكن السيطرة على هذه النوبات لشدتها فَيتم العلاج من خلال قطع الجسم الثفني.

و لكن هناك اسباب اخرى، منها غياب الجسم الثفني خلقيًا، هنا يولد الشخص والجسم الثفني غائب كليًا أو جزئيًا بسبب اضطراب في التطور الجنيني. 

و هذا غير مطابق للحالة الجراحية، لأن الدماغ يتطور منذ البداية في ظل غياب الاتصال، و تظهر آليات تعويضية اثناء النمو.

و لكن هذا لا يحدث حالة الدماغ المنفصل .

كيف أثبت العلماء وجود انفصال وظيفي؟


علماء مثل Roger Sperry وMichael Gazzaniga درسوا المرضى الذين خضعوا لقطع الجسم الثفني، وصمموا تجارب تسمح بتقديم المعلومات إلى أحد النصفين بصورة منفصلة.

الفكرة الأساسية كانت استخدام شاشة، وتثبيت نظر المريض على نقطة في المنتصف، وعرض صورة أو كلمة لمدة قصيرة جدًا، حتى لا تتحرك العينان باتجاه الصورة ويصل المنبه إلى مجال بصري آخر.


بهذا الأسلوب أمكن فحص كل نصف بصورة مستقلة نسبيًا.

تجربة الدماغ المنفصل.

التجربة الأولى: عرض صورة في المجال البصري الأيمن. 

الباحث عرض صورة مفتاح في المجال البصري الأيمن للمريض.


خطوات المعالجة تكون كالآتي:

تستقبل الشبكية المعلومات البصرية، تنتقل الإشارات عبر المسارات البصرية إلى المناطق البصرية في النصف الأيسر.

يستطيع النصف الأيسر الوصول إلى أنظمة اللغة التي تُمكّن الشخص عادةً من تسمية الشيء.

عندما يُسأل المريض: "ماذا ترى؟" قد يجيب: "مفتاح".

كذلك، يستطيع غالبًا اختيار المفتاح باليد اليمنى.

التجربة الثانية: عرض الصورة نفسها في المجال البصري الأيسر

هنا تتغير النتيجة.

الصورة تُعالج أولًا في النصف الأيمن، وبسبب قطع الجسم الثفني، يصعب نقل المعلومة مباشرةً إلى مناطق اللغة في النصف الأيسر.

قد يسأل الباحث المريض:"ماذا ترى؟"

فيجيب: "لا شيء"، أو يعجز عن تسمية الشيء المعروض.

لكن إذا طلب منه أن يختار الشيء المطابق من مجموعة باستخدام يده اليسرى، فقد يختار المفتاح بصورة صحيحة.

إذن لدينا نتيجتان مختلفتان:

الاستجابة الكلامية: قد يفشل في تسمية الشيء.

الاستجابة غير الكلامية: قد يتعرف على الشيء ويختاره باليد المناسبة.

وتوجد استثناءات ونتائج أحدث أكثر تعقيدًا من الصورة التقليدية التي تُدرّس في بعض الكتب. 

تجربة الأشياء باللمس: هل تعرف اليد ما تحمله اليد الأخرى؟

استخدم الباحثون أيضًا اختبارات اللمس من دون الاعتماد على الرؤية.

لنفترض أن المريض معصوب العينين، ووضع الباحث قلمًا في يده اليسرى.

الإشارات الحسية الصاعدة من اليد اليسرى تُعالج بصورة رئيسية في النصف الأيمن. وإذا كانت وظيفة اللغة متمركزة في النصف الأيسر، وكان انتقال المعلومات بين النصفين مقطوعًا، فقد يعجز المريض عن تسمية القلم لفظيًا.

لكن يمكن أن ينجح بطرق أخرى، مثل أن يختار القلم نفسه من مجموعة أشياء بيده اليسرى.

وبالعكس، إذا وضعنا القلم في اليد اليمنى، يمكن أن تصل المعلومات الحسية إلى النصف الأيسر، فيتمكن المريض غالبًا من تسميته.

هذه التجارب كانت من الأدلة المهمة على أن التعرف على شيء، والقدرة على التعبير عنه بالكلام، مو بالضرورة عمليتان متطابقتان في الجهاز العصبي.

تجربة الدجاج و الثلج


من التجارب المعروفة التي ارتبطت بأعمال Gazzaniga وSperry، تجربة عُرضت فيها صورتان مختلفتان على نصفي المجال البصري.

في إحدى الصيغ الكلاسيكية للتجربة:

عُرضت صورة قدم دجاجة في المجال البصري الأيمن، فاستقبلها النصف الأيسر.

عُرض مشهد ثلجي في المجال البصري الأيسر، فاستقبله النصف الأيمن.

بعدها طُلب من المريض اختيار صور مرتبطة بما شاهده.

اختار بيده اليمنى صورة دجاجة، واختار بيده اليسرى صورة مجرفة؛ لأن المجرفة مناسبة للمشهد الثلجي.

إلى هنا، السلوك مفهوم: كل نصف استخدم المعلومات المتاحة له في الاختيار.

لكن المفاجأة ظهرت عندما طُلب من المريض أن يفسر سبب اختياره.

الذي قدّم الإجابة الكلامية كان النصف الأيسر، وهو النصف الذي تلقى صورة قدم الدجاجة، ولم تكن صورة الثلج متاحة له بالطريقة المعتادة. لذلك قدّم تفسيرًا منسجمًا مع المعلومات التي يمتلكها، فربط المجرفة بتنظيف حظيرة الدجاج.

تجربة الدجاج و الثلج.

هل حالة انفصال نصفي الدماغ تعني أن الشخص لديه وعيين منفصلين؟


التجارب أثبتت انفصالًا وظيفيًا في بعض العمليات الإدراكية، لكنها لم تحسم بصورة نهائية هل يؤدي ذلك إلى وجود وعيين منفصلين.

كي نفهم هذا الموضوع علينا الفصل بين ثلاثة نقاط اساسية.

1- استقلال معالجة المعلومات

إذا استقبل النصف الأيمن صورة، واستطاع استخدامها في اختيار أو رسم شيء، بينما عجز النصف الأيسر عن وصف الصورة بالكلام، فهذا يدل على أن المعلومة متاحة بصورة مختلفة للأنظمة العصبية المختلفة.

و هذه نتيجة مدعومة تجريبيًا.

2-استقلال السلوك والاستجابة

قد ينتج كل نصف استجابة مختلفة بناءً على المعلومات المتاحة له. وقد يفشل الشخص في مقارنة منبهين موزعين بين المجالين البصريين، ما يدل على وجود خلل في تكامل بعض المعلومات عبر النصفين.

3-وجود ذاتين واعيتين

هذا ادعاء أقوى بكثير من الادعاءين السابقين.

حتى نثبت وجود ذاتين واعيتين، لا يكفي أن نثبت أن نصفي الدماغ يعالجان المعلومات باستقلال نسبي؛ بل نحتاج أدلة توضّح طبيعة الخبرة الذاتية لكل نظام، وعلاقته بالسلوك، وإمكانية الإبلاغ عنها، ومدى وحدة الخبرة التي يعيشها الشخص.

وهنا تكمن المشكلة العلمية: إذا كان أحد النصفين غير قادر على الإجابة بالكلام، فشلنا في الحصول على تقرير لفظي منه لا يثبت أنه يفتقر إلى الخبرة الواعية، لكنه أيضًا لا يكفي لإثبات وجود ذات مستقلة.


لماذا الباحثون يختلفون في هذه النقطة؟


نشرت دراسة في مجلة BRAIN عام 2017، بقيادة Pinto وزملائه، قدمت نتائج لا تتفق تمامًا مع بعض الاستنتاجات التقليدية؛ إذ وجد الباحثون أن المرضى الذين شملتهم الدراسة استطاعوا التعرف على منبهات في أنحاء المجال البصري باستخدام أكثر من نوع من الاستجابة، حتى عندما كان الجسم الثفني مقطوعًا بصورة كاملة ومؤكدة بالتصوير. وفسّر الباحثون النتائج على أنها دليل ضد ضرورة افتراض وجود مراقبين واعيين مستقلين. 

في المقابل، أشار بحث المراجعة المنشور في Neuropsychology Review عام 2020 إلى أن انفصال الجسم الثفني يؤدي إلى اضطراب واسع في التكامل الوظيفي، من الإدراك إلى الانتباه، لكن بعض العمليات تبقى موحدة أو تبدو كذلك، وأن الأدلة المتاحة لا تكفي لحسم سؤال انقسام الوعي إلى جواب بسيط بنعم أو لا. 

وفي فصل علمي منشور عام 2025 في Handbook of Clinical Neurology، وُصف هؤلاء المرضى بأن لديهم نظامين عصبيين متميزين يعالجان ويعملان بصورة مستقلة في بعض المهام، مع بقاء مظهر الخبرة الواعية الموحدة في الحياة المعتادة. هذا الوصف يوضح التباين بين نتائج الاختبارات الدقيقة والمظهر السريري اليومي.

Sources:

1-https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7305066/

2-https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC5405233/

3-https://psycnet.apa.org/doiLanding?doi=10.1037%2Fh0026839

4-https://www.scientificamerican.com/article/the-split-brain-in-man/

5-https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/103484/

by:د.حسن

—————

لطالما نظرت فلسفة العقل الكلاسيكية إلى الأنا كمركز قيادة موحّد غير قابل للانقسام. غير أن معطيات علم الأعصاب الإدراكي بعد تجارب الدماغ المنفصل قدّمت طرحًا مغايرًا؛ الوعي ظاهرة ناشئة عن شبكة مادية لمعالجة المعلومات. في الحالة الطبيعية، يعمل الجسد الثفني الذي يضم قرابة 200 إلى 250 مليون محور عصبي كخط اتصال فائق السرعة يدمج سيل البيانات المتدفق إلى نصفي الدماغ، وهذا الدمج اللحظي هو ما يخلق التناغم الظاهري والوعي الموحّد. أما عند قطع هذا الجسر المادي، نكون أمام نظامين حوسبيين بيولوجيًا يعملان على التوازي بعد قطع كابل الشبكة بينهما.

بعد قطع الجسم الثفني، يتحول الدماغ إلى ما يشبه حاسوبين متوازيين. ويظهر الانفصال الوظيفي بوضوح في سياق مبدأ التحكم المقابل النصف الأيسر يدير الجانب الأيمن من الجسم، والعكس:


1. عند عرض مثير بصري في المجال البصري الأيسر، تنتقل البيانات حصريًا إلى القشرة البصرية في النصف الأيمن. يمتلك هذا النصف تمثيلًا ماديًا كاملًا للمثير ويعرف هويته، لكنه صامت يفتقر إلى خوارزميات التقرير اللفظي (المتموضعة في منطقتي بروكا وفيرنيكه بالنصف الأيسر). ونتيجة لغياب التوصيل الفيزيائي عبر الجسد الثفني، يبقى النصف الأيسر الناطق معزولًا معلوماتيًا وأعمى عن هذا المحتوى. فيعجز المريض عن تسمية الشيء لفظيًا، لا لغياب الإدراك، بل لانشطار المنظومة الحوسبية عصبيًا.


2. عند وضع مجسّم في اليد اليسرى، ترسل المستشعرات الطرفية البيانات اللمسية إلى القشرة الحسّية الجسدية في النصف الأيمن، الذي يعالجها ويستخدم الشيء بشكل صحيح بناءً على ذاكرته الحركية. ومع ذلك يفشل المريض في تقديم وصف لغوي لما يمسكه، لأن النصف الأيسر المسؤول عن الكلام لا تصله أي نبضة عصبية تؤكد وجود شيء في اليد الأخرى.


تثبت هذه التجارب أن المعرفة البشرية عمليات معالجة بيانات مجزّأة وموزّعة على مناطق مادية. وعند انقطاع الرابط المادي بين هذه الوحدات، ينشأ وعي مجزّأ؛ يعرف جزء من الدماغ شيئًا، بينما يظل الجزء الآخر في الجمجمة نفسها جاهلًا به تمامًا.

هل ينقسم الوعي جراحيًا بانقسام الدماغ؟


يطرح رولاند بوتشيتي فرضية ترى أن وظيفة الجسد الثفني في الدماغ السليم تكرار ومزامنة البيانات بين نظامين واعيين مستقلين بالفعل. فوفقًا لبوتشيتي، يحتوي كل نصف دماغ على بنية تحتية عصبية كافية وكاملة لإنتاج نظام واعٍ مستقل بذاته. وعملية القطع الجراحي تكشف فقط عن حقيقة مادية كامنة أن مريض الدماغ المنفصل يضم داخل جمجمته وكيلين معرفيين مستقلين تمامًا، لكل منهما خوارزميات معالجة وخبرات وجدانية وذاكرة مادية خاصة.


تتجاوز قراءة إليزابيث شيكتر النظرة الثنائية الجامدة، مجادلةً بأن الوعي ليس حالة كل شيء أو لا شيء، بل ظاهرة ذات مستويات تدرّج شبكية. فالدماغ المنفصل يحتوي على تداخل حسابي جزئي؛ إذ تبقى مسارات تحت قشرية وجذع الدماغ متصلة ومسؤولة عن دمج بعض البيانات الأساسية (كالانتباه العام أو الحالات المزاجية الكيميائية)، بينما تنفصل العمليات القشرية العليا. ونتيجة لذلك، يجب إسناد الحالات العقلية إلى أجزاء الدماغ والمجموعات العصبية الوظيفية، لا إلى الكائن ككل، مما يفكك مفهوم الذات الموحّدة إلى شبكات متداخلة جزئيًا ومستقلة جزئيًا.


يعيد يائير بينتو وزملاؤه قراءة الاختلافات التجريبية الكلاسيكية، معتبرًا أن الاستنتاجات القديمة بالغت في إثبات انقسام الوعي. فالبيانات في رأيهم توضح أن الدماغ المنفصل يظهر إدراكًا مجزّأً وموزّعًا في المدخلات، بينما تظل التجربة الواعية الأساسية غير منقسمة. فالمريض لا يعيش كشخصين، بل كمنظومة واحدة تعاني فجوات حادة في نقل البيانات البصرية والحركية.

في كتابه تفسير الوعي، يوجّه دانيال دينيت نقدًا لما يسميه المسرح الديكارتي؛ وهو الافتراض بوجود نقطة مركزية داخل الدماغ تنتهي إليها كل المدخلات الحسية لتعرض أمام مراقب ذاتي واحد. بدلًا من هذه الرؤية المركزية، يقترح دينيت نموذج المسودات المتعددة، الذي يعامل الدماغ كمنظومة معالجة حوسبية موزّعة تعمل كليًا على التوازي:


ينتج الدماغ سيلًا مستمرًا من المسودات الإدراكية والتفسيرية في مسارات عصبية متعددة ومتزامنة.


ما نسميه وحدة الوعي هو نتاج تنافسها على توجيه السلوك والتقرير اللفظي. ويشكل الجسد الثفني القناة المادية الرئيسية التي تتيح تبادل هذه المسودات بين النصفين، مما يسمح للـ المفسر اللفظي في النصف الأيسر بصياغة قصة إدراكية متماسكة.


عند القطع الجراحي، لا ينقسم الوعي بمعناه الميتافيزيقي، إنما تتعطل قنوات التواصل بين هذه المسودات الموزعة. فالمسودات الحوسبية المتولدة في النصف الأيمن تصبح عاجزة عن الوصول إلى مراكز اللغة في النصف الأيسر، مما يمنعها من تحقيق الشهرة العصبية عبر النطق، دون أن يعني ذلك أنها غير موجودة.


ويحذر دينيت من القفز إلى استنتاج وجود وعيين اثنين؛ فنموذج المسودات المتعددة محايد عدديًا. والسؤال ليس كم وعيًا يوجد في هذه الجمجمة؟، بل كيف تتفاعل هذه العمليات الحسابية الموزّعة عبر الشبكة العصبية لتنتج وهم الذات الموحدة؟ إن إعادة صياغة السؤال بهذه الطريقة تنقلنا من البحث عن كينونات ذاتية ثابتة إلى دراسة ديناميات شبكات المعلومات.

وهنا تتقاطع فلسفة دينيت الفيزيائية بصورة مذهلة مع الأبحاث التجريبية لعالم الأعصاب مايكل غازانيغا حول ظاهرة المُفسِّر، والتي تُعد من أكثر النتائج التجريبية زعزعة للمفاهيم الكلاسيكية حول العقل. تكشف هذه الظاهرة عن منظومة عصبية محددة تشريحيًا في النصف الأيسر، وظيفتها خلق تفسيرات سياقية لاحقة للأفعال التي يكون مصدرها الحقيقي عمليات مادية فيزيائية لا واعية. يقول غازانيغا: نحن نمتلك شيئًا يسمى المفسر، موجودًا في دماغنا الأيسر، ينسج قصة عن سبب شعورنا وتصرفنا بالطريقة التي نفعلها.

وتتجلى هذه الآلية بوضوح في التجارب على مرضى الدماغ المنفصل؛ فعندما يُعطى النصف الأيمن (الصامت) أمرًا معزولًا بفعل ما (مثل المشي)، يستجيب الجسد ميكانيكيًا للسيالات العصبية. وعندما يُسأل النصف الأيسر (الناطق) الذي يجهل الإشارة تمامًا بسبب قطع الجسد الثفني عن سبب السلوك، لا يعترف بالجهل، بل تخترع خوارزمية المُفسِّر فورًا تبريرات منطقية واهية لربط السببية، بهدف منح الفعل سياقًا عقلانيًا يبدو متسقًا.


يتخذ الدماغ قراراته عبر شبكات فيزيائية لا واعية، ثم تصوغ خوارزمية النصف الأيسر قصة منطقية تمنح الذات شعورًا زائفًا بالسيطرة والملكية. يقوّض هذا البناء التشريحي الصورة الكلاسيكية للإرادة الحرة كقدرة واعية مستقلة. ومن هذا المنظور الفيزيائي، يرى غازانيغا أن الإرادة الحرة هي وهم بيولوجي؛ فالدماغ جهاز تلقائي محكوم بقوانين الفيزياء، حيث يسبق الفعل العصبي المادي دائمًا أي إدراك واعٍ به.

By:أ.نوس

Report Page