NEUROPLASTICITY
أ.نوس/د.حسنما معنى إعادة تهيئة دماغة في حقيقة الأمر؟
تُشير عبارة إعادة تهيئة الدماغ إلى مفهوم المرونة العصبية؛ وهو مصطلح عام يصف حدوث تغيرات وظيفية في الجهاز العصبي. وقبل خمسة عقود، ساد اعتقاد طبي بأن الدماغ البالغ بنية ثابتة بيولوجيًا وغير قابلة للتعديل أو التجدد الخلوي بعد انقضاء مرحلة الطفولة، مما يعني عدم القدرة على ترميم التلف الناجم عن الإصابات العصبية. إلا أن البحوث المعاصرة دحضت هذه الفرضية، وأثبتت أن الدماغ البالغ يمتلك قدرة مستمرة على التكيف والتغير طوال دورة الحياة استجابةً للمثيرات والخبرات المتنوعة.
تبدأ المرونة العصبية في منتصف الثلث الثاني من الحمل مع تشكل الوصلات بعيدة المدى للأجهزة الحسية، مما يسمح للجنين باستقبال المثيرات البيئية وتعديل دوائره العصبية. ويعمل الجهاز السمعي في هذه المرحلة، حيث تبدأ خلايا الشعر القوقعية في العمل، مما يمنح حديثي الولادة قدرة مبكرة على تمييز الأصوات المحيطة وصوت الأم وتطوير الذاكرة والانتباه قبل الولادة. أما الجهاز البصري فيتأخر نضجه الوظيفي إلى ما بعد الولادة.
وبناءً على هذا، أن الدماغ الجنيني نظام مفتوح يستقبل الإملاءات البيئية ويعيد تشكيل نفسه وفقًا لها قبل الولادة ذاتها. فالجنين يبدأ في تأدلج دماغه وفقًا للبيئة الصوتية والكيميائية التي يوفرها جسد الأم ومحيطها الخارجي، مما يعني أن عملية التشكيل الاجتماعي للدماغ تسبق لحظة الميلاد.
أن جودة الرعاية الأمومية المبكرة لدى الفئران (كاللعق والتنظيف في الأسبوع الأول) تُحدث تعديلات فوق جينية على الـ DNA تفتح المنطقة الكروموسومية لتسهيل النسخ الجيني وتخليق بروتين مستقبلات الجلايكورتيكويد في الحُصين، مما يرفع كفاءة إدارة الإجهاد عند البلوغ، بينما يؤدي الإهمال لإغلاق الكروموسوم وتثبيط الجين. تؤكد هذه الآلية تأدلج الدماغ الكامل وصياغته بواسطة البيئة والمجتمع؛ حيث تنفي هذه المؤثرات المفروضة بيئيًا امتلاك الفرد لإرادة حرة مستقلة. فالبيئة لا تكتفي بتشكيل السلوك الظاهري، إنما تنزل إلى مستوى التعبير الجيني ذاته، فتكتب تعليماتها في المادة الوراثية للفرد.
وقد أُسقطت هذه النتائج بيولوجيًا على البشر؛ إذ كشف تشريح أدمغة ضحايا الانتحار ممن عانوا إساءة المعاملة طفوليًا عن انخفاض حاد في الـ mRNA الخاص بمستقبلات الجلايكورتيكويد في الحُصين. وترتبط الحالة الاقتصادية والاجتماعية المتدنية بنقص حجم المادة الرمادية في الحُصين، واختلالات وظيفية في اللوزة الدماغية وقشرة الفص الجبهي، مما يسبب قصورًا معرفيًا وانفعاليًا مزمنًا يمتد حتى منتصف العشرينيات.
رغم نمو الدماغ في سن العاشرة، تستمر إعادة الهيكلة العصبية حتى منتصف العشرينيات، وتتسم هذه المرحلة بتغيرات هرمونية وسلوكية؛ كارتفاع الاستجابة للمثيرات العاطفية وحساسية أنظمة المكافأة لأقرانهم، مما يرفع معدلات الاندفاع والمخاطرة. وتخضع قشرة الفص الجبهي لتعديلات ممتدة؛ حيث ترتفع كثافة أشواك الزوائد الشجيرية في الطفولة ثم تخضع لتقليم تشابكي واختزال تدريجي بعد البلوغ، توازيًا مع نمو المادة البيضاء الناتجة عن النخاعنة عبر الخلايا الدبقية قليلة التغصن لرفع كفاءة الوظائف التنفيذية.
فالمراهق الذي يندفع نحو المخاطرة ليس صاحب قرار حر، لإن البيئة والمجتمع يعيدان تشكيل دوائره وفقًا لمتطلبات هذه المرحلة.
تحفز الأبوة والأمومة آليات المرونة العصبية البالغة، ففي القوارض تخضع عصبونات القشرة السمعية الأساسية للأم لإعادة تشكيل وظيفي عند التعرض لنداءات النسل، مما يمكنها من معالجة الإشارات وتوليد السلوك الأمومي. وترتبط الأمومة المبكرة بزيادة حجم المادة الرمادية في قشرة الفص الجبهي، والمهاد، ومنطقة ما تحت المهاد، واللوزة الدماغية، والجسم المخطط طرديًا مع درجة التفاعل السلوكي. وفي المقابل، يسبب اكتئاب ما بعد الولادة نقص الحساسية لبكاء الطفل، وانخفاض الاتصال الوظيفي، واختلال نقل الجلوتامات الجبهي. وعلى صعيد الأبوة، يستحث الانخراط التربوي آليات مرونة مماثلة؛ حيث تسجل الشهور الأولى زيادة في المادة الرمادية في مناطق تحت المهاد، واللوزة، والجسم المخطط، وقشرة الفص الجبهي، مقابل انخفاض بنيوي في القشرة الجبهية الحجاجية، والتلفيف الحزامي، وفص الجزيرة.
أن المرونة العصبية عملية خاضعة لإملاءات البيئة والمجتمع، ويتشكل الدماغ البشري ويتأدلج وظيفيًا وفقًا للمثيرات والسياقات الاجتماعية المحيطة به منذ المراحل الجنينية الأولى وحتى الشيخوخة.
أن المرونة العصبية عملية خاضعة لإملاءات البيئة والمجتمع، ويتشكل الدماغ البشري ويتأدلج وظيفيًا وفقًا للمثيرات والسياقات الاجتماعية المحيطة به منذ المراحل الجنينية الأولى وحتى الشيخوخة.
وإذا كانت كل قراراتنا واستجاباتنا الانفعالية وأنماطنا السلوكية نتاجًا حتميًا لشبكات عصبية أُعيدت صياغتها بواسطة العوامل البيئية، فإن مفهوم حرية الإرادة المستقلة يغدو قاصرًا أمام الحقيقة العلمية. فالإنسان، في أبعاده المعرفية والسلوكية، انعكاس مادي للبيئة التي تصنع خياراته وتحدد مساراته الإدراكية دون رغبة مستقلة معزولة عن هذا التأثير.
إذا كان الدماغ يُصاغ بيئيًا حتى آخر مشبك، فهل يستطيع الوعي أن يتجاوز هذا التشكيل، أم أنه هو ذاته خيطٌ في النسيج الذي يُحاك؟ وكيف نعيد تعريف المسؤولية الأخلاقية حين تتهاوى أمامنا حتميةُ العصبية، ونقف أمام إنسانٍ لا يختار، بل يُختار له؟
By: أ.نوس
Neuroplasticity mechanism
تُقسم المرونة العصبية إلى عدة مستويات، و هن:
A- Synaptic plasticity:زيادة قوة الاتصال بين خليتين
اولًا لكي نفهم عملية التشابك المعقدة هذه يجب علينا فهم تركيب الخلية العصبية، و بعض المفاهيم الاساسية في علم الاعصاب.
أ- تركيب الخلية العصبية
تتكون الخلية العصبية من 4 اجزاء، و هم:
التغصنات(dendrites): مستقبلات الإشارة العصبية من الخلايا الاخرى.
ينقسم من التغصنات جزء مهم في آلية المرونة العصبية و هي الاشواك التغصنية(dendritic spines) و التي تكون متغيرة و غير ثابتة.
جسم الخلية(soma): يحتوي على النواة و الجينات، و احيانًا تكون وظيفته هي تغيير التعبير الجيني و صنع بروتينات جديدة على حسب الإشارة العصبية.
المحور العصبي(axon): ينقل الإشارة العصبية من جسم الخلية إلى النهايات المشبكية.
النهايات المشبكية(synaptic terminals): هنا يحدث الترابط بين الخلايا العصبية فيما بعضها و كذلك نقل الإشارة العصبية.
ب-طبيعة الإشارة العصبية و كيف تتكون و تنتقل.
تتكون الإشارة العصبية التي بطبيعتها إشارة كهربائية عن طريق نقل و الفرق في توزيع الأيونات بين داخل الخلية و خارجها. (الأيونات:
(Na⁺, K⁺, Ca²⁺, Cl⁻
و يتم انتقالها عبر الغشاء البلازمي، لكنه متكون من دهون تمنع الأيونات من الدخول للخلية.
و لكن مع وجود بروتينات تسمى"ion channels” عن طريق عملية النقل السلبي، و كذلك وجود Na+/K+ ATPase و هي مضخة تعمل على ضخ ثلاث ايونات من Na+ مقابل إدخال أيونين من K+ مع استنزاف 1ATP.
و تكون الخلية بطبيعتها اكثر سلبية من خارجها، و هذا بسبب إن الغشاء البلازمي يسمح بمرور K+ للخارج اكثر من Na+ للداخل، فَتخرج أيونات البوتاسيوم إلى الخارج و لا يدخل ايون الصوديوم ليحل محله فَتبقى الخلية بجهد سالب تقريبًا حوالي -70mV
و لكن الخلية بطبيعتها لا تنقل الإشارات الكهربائية عبر المحور العصبي.
و هنا يكمن دور جهد الفعل "Action potential"
عند وصول جهد الخلية إلى عتبة معينة، تنفتح قنوات خاصة لنقل الصوديوم إلى داخل الخلية، و عند دخولها و بإعتبار إن أيونات الصوديوم موجبة الجهد فَيصبح جهد الخلية موجبًا و تسمى هذه الحالة بالDepolarization, و بعدها تغلق قنوات الصوديوم و تفتح قنوات البوتاسيوم لتخرج أيونات البوتاسيوم و بهذه الحالة تعود الخلية إلى جهدها الطبيعي السالب و تسمى هذه الحالة بالrepolarization, و هذا الانتقال من الحالة السالبة للموجبة و من ثم العودة للحالة السالبة، الفرق و الانتقال السريع بين الجهد يولد لدينا جهد الفعل و هو الجهد او الإشارة التي ستنتقل بدورها عبر المحور العصبي، و كذلك تُشفر هذه الإشارة عبر التردد و التوقيت و نمط النشاط.
و اخيرًا هناك المشابك العصبية(synapses)
المشابك العصبية مثل ما ذكرنا سابقًا هي الرابطة بين خليتين عصبيتين، و لكن الارتباط لا يكون مباشرًا بل يكون بينهم شق إذ يكون الترتيب:
Presynaptic neuron → Synaptic cleft → Postsynaptic neuron
Presynaptic=المرسل
Synaptic cleft =الشق بين الخليتين
Postsynaptic=المستلم
و هنا تكمن عملية انتقال الإشارة بين الخليتين العصبيتين، و تتم عبر خطوتين، الاولى و هي إطلاق GLUTAMATE (ناقل محفز) من قبل المرسل، و من ثم يصل للمستلم
و المسلتم لديه مستقبلين مهمين و هم :
AMPA=يسمح بمرور الصوديوم
NMDA= يسمح بمرور الكالسيوم و الصوديوم و لكنه محجوب من قبل المغنيسيوم.
فَتعمل الخطوة الاولى على إطلاق Glu. الذي بدوره يرتبط بالمستقبل AMPA و عند ارتباطه تدخل الايونات الموجبة و يحدث depolarization
و عند تكون الجهد الموجب يتم طرد المغنيسيوم بسبب التنافر بين الجهدين المتشابهين
و عند طرده يفتح الحجب عن NMDA
و الخطوة الثانية هي إطلاق الكالسيوم ليدخل عبر NMDA إلى داخل الخلية المستلمة.
عند دخول الكالسيوم، تبدأ سلسلة إشارات في الهليك المستلمة اهمها هو بروتين
Calcium/Calmodulin-Dependent Protein Kinase II(CaMKII)
الذي يلعب دورًا مهمًا في عملية
LTP=Long-Term Potentiation
و هي العملية التي تحسن قوة التشابك العصبي بين الخليتين
LTD=Long-Term Depression
و هي عكس العملية الاولى(تعمل على تقليل قوة التشابك)
و دور CaMKII يكمن في تحسين فعالية AMPA و بالتالي يصبح اكثر حساسية للGlu. و بالتالي يؤثر على الخلية المستلمة بشكل اسرع و افضل و هذه هي عملية LTP, كون زيادة حساسية الخلية المستلمة و جعلها تتحفز بشكل افضل .
و هذا كله ضمن مستوى synaptic plasticity فقط.
B-Structural plasticity:تغيير شكل و عدد المشابك و الاشواك
أغلب المشابك الاستثارية على التغصنات موجودة على الاشواك التغصنية شكل الاشواك نفسه ليس ثابتًا.
قد: يكبر/ يصغر/ يختفي/ يتكون من جديد
و التغيير يحصل بسبب Actin cytoskeleton
الاشواك غنية جدًا بخيوط actin. عندما تحدث المحفزات للمرونة و التغير، تتغير ديناميكية actin و بالتالي يتغير شكل الاشواك و طولها او مساحتها.
C-Homeostatic plasticity:ضبط النشاط العام كي لا تصبح الشبكة مفرطة او خاملة
D-Network plasticity: إعادة تنظيم مجموعات عصبية و مناطق عصبية.
E-Myelin plasticity :تعديل غلاف المايلين و سرعة التوصيل
F-Axonal plasticity:نمو فروع محورية و إعادة توزيع الاتصالات.
G-Neurogenesis:إنتاج خلايا عصبية جديد في بعض المناطق.
يمكن اختصار العملية بهذا المخطط البسيط:
EXPERIENCE
↓
Sensory / cognitive / motor input
↓
Neuronal firing
↓
Neurotransmitter release
↓
Receptor activation
↓
Ca²⁺ + second messengers
↓
Kinases / phosphatases
↓
Receptor trafficking
↓
Cytoskeletal remodeling
↓
Gene transcription
↓
Protein synthesis
↓
Synaptic strengthening / weakening
↓
Spine formation / elimination
↓
Axonal & dendritic remodeling
↓
Myelin remodeling
↓
Network reorganization
↓
Persistent change in neural function
المراجع العلمية
1-LTP and LTD: An Embarrassment of Riches - Malenka & Bear, 2004
2-Receptor trafficking and synaptic plasticity -Collingridge et al., 2004
3-Long-Term Potentiation: From CaMKII to AMPA Receptor Trafficking - Herring & Nicoll, 2016
4-Experience-dependent structural synaptic plasticity in the mammalian brain -Holtmaat & Svoboda, 2009
5-Navigation-related structural change in the hippocampi of taxi drivers - Maguire et al., 2000
6-Long-range axon branching: contributions to brain network plasticity and repair - 2026