الجهاد الاسلامي يرسم خارطة الطريق بالدم.. وحدة الساحات

الجهاد الاسلامي يرسم خارطة الطريق بالدم.. وحدة الساحات



الأيام التي يهيمن عليها الدم المقدس في فلسطين، هي بدون شك أيام التحولات التاريخية والتي تعادل عقودا وسنينا.

من المهم ألا نتجاهل بأن معركة وحدة الساحات ليست مجرد مواجهة عابرة، بل اسمها لوحده يحمل من الدلالات التي تؤسس لواقع جديد، ومفهوم نضالي قائم على الاشتباك المستمر مع العدو في فلسطين.

أن يقول الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي القائد زياد النخالة عن الكلاشينكوف أنه سلاح استراتيجي إذا استعمل بالشكل المناسب، يعني تفعيل خطة مواجهة شاملة، وهو النموذج الذي رأيناه في كتيبتي جنين ونابلس وطوباس وقيام حركة الجهاد الإسلامي بتنظيم الفعل المقاوم التراكمي في الضفة واحتضانه، واكسابه احترافية وقيمة استراتيجية وهذا ما تجسد في دور القائد الميداني الأسير بسام السعدي، أب لشهيدين وابن شهيدة، له وزن وثقل في لم شمل العمل التنظيمي المقاوم في جنين والذي تحول إلى شكل كتيبة عسكرية لها نشاط مدروس ساهمت في تأطير العمل المقاوم الذي تم تهميشه طويلا، ولهذا التأطير قيمة كبيرة علمتنا إيّاها تجارب التاريخ، أبرزها تجارب الثورة الجزائرية عام 1954،إذ يقول الشهيد العربي بن مهيدي : "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"، ما ميّز ثورة نوفمبر الجزائرية التي استمرت سبع سنين وتكللت بطرد فرنسا بعد 132 عاما من الاحتلال أنها احتضنت حالة التشتت الجزائرية والانقسام الحزبي وأطّرت العمل النضالي في نشاط ثوري منظم انصهرت فيه مختلف التوجهات في هوية نضالية وطنية تقدم الكفاح المسلح كوسيلة للتحرير، هذه الثورة واجهت صعوبات وحالة من اللا تكافؤ والحصار وقطع الإمدادات، بل وقدمت ملايين الشهداء لكنها في النهاية انتصرت على فرنسا النووية وخلفها الناتو. فمعايير تحديد المنتصر هنا ليست بالتأكيد المقارنة السطحية الحرفية "للخسائر"، فعندما يكون وجودك هو المحارب بالانتفاء، يكون الحفاظ عليه نصرا مهما كلّف.

«بندقية صيد + إرادة = تدمير الناتو» من احتفال جيش التحرير الوطني الجزائري بعيد الاستقلال

أن تقوم حركة الجهاد الإسلامي بالرد على اغتيال قادتها وتفرض على العدو حظر التجول متصدرة المواجهة بثقلها مع مشاركة معظم الفصائل - رغم تواضع امكانات هذه الفصائل بالمقارنة- هو بحد ذاته نصر خصوصا وأن هرولة العدو للهدنة وارساله لأدواته "المفاوضة" جاء وهو تحت النار وراضخا لشروط المقاومة التي كان ردها احترافيا ومنظما رغم اغتيال قادة من الصف الأول. فكانت سرعة الرد وتنظيمه بل وبداية عملية "وحدة الساحات" في تاسعة البهاء دلالة على هذا الإداء المتقدم والمتطور، كذلك التنظيم المدروس للقدرات المستعملة والوحدات المتدخلة في المواجهة، وترتيب مشاركة الوحدات القتالية ومن هنا نشير إلى البيان الصادر عن سرايا القدس بداية المواجهة: «على جميع القوات العاملة في الميدان وعلى رأسها (القوات الخاصة، ووحدات النخبة) العمل بإيعاز الجهوزية حتى استلام التعليمات المعمول بها مسبقاً حسب ما هو مخطط.»

فلم يتم لحد الآن تفعيل سلاح المسيّرات بالمواجهة، ولا إقحام كل الوحدات القتالية لسرايا القدس، ما يجعل مزاعم استنزافها بشكل كلي باطلة، بل هي نفسها مزاعم العدو الذي يظن أن اغتياله للقادة الشهداء سيشل حركات المقاومة، ولم يتعلم من درسه مع شهادة السيد عباس الموسوي والشهيد عماد مغنية والحاج قاسم سليماني.


ومن الجدير أن نشير بأن هذه المعركة التي بدأت استكمالا لسابقاتها وحفاظا على ما أنجزته معركة سيف القدس ليست بالجولة العابرة كما يريد العدو امتصاصها وتصويرها تنقيبا عن نصر صوري، فالرد على العدوان الصريح الذي شنه العدو باغتيال قادة الصف الأول من حركة الجهاد الإسلامي لم يكن رفاهية بالنسبة للمقاومة بل ضرورة وجودية لها، للحفاظ على الردع وقطع يد الاغتيالات التي إذا أوغلت وتمادت ستكون بالتأكيد خسارة لكل المقاومة.

فالنغمة التي تعزفها جوقة الانهزاميين ومحاكم التوهين تجاهلت أن "الهدنة" مرهونة بالتزام العدو بشروط، مجرد فرضها هو سابقة تاريخية لم تحصل من قبل. أن تحرر مواجهة النيران بين غزة والكيان المؤقت الصهيوني أسرى هو محطة بطولية وسابقة يُبنى عليها لما سيلحق من جولات مع هذا العدو، كون عمليات تحرير الأسرى تأتي عادة في إطار صفقات تبادل، تبذل فيها جهود مضنية من مفاوضات قد تستغرق سنوات بين المد والجزر وعمليات أسر قد تنجح أو تتكلل باستشهاد المنفذين. كما أن أعظم مكاسب هذه المعركة هي تثبيت مفهوم القتال ككل فلسطيني بالتالي القضاء على حالة التشرذم الداخلية التي كرسها العدو لعقود وبمختلف الأدوات والوسائل.


قال الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي صراحة، أن "الهدنة" ملغية ما إن يتنصل العدو ويماطل في تحقيق ما تم الاتفاق عليه وأن الرهان الوحيد هو على قدرة المقاومة على القتال فقط، مشيرا إلى عدم ثقته بالعدو. نحن هنا أمام قيادة فذة استثنائية في الساحة الفلسطينية، تقدم الصراع كما هو، وتقدم الحلول كما هي، تشخص العدو، وتعرف نقاط ضعفه، وتقرأ عقليته، وتطور من فعلها وعقليتها بالممارسة المستمرة والنفس الطويل.

 نحن وبدون مبالغة في مواجهة عدو إلغائي نخوض صراع وجود، غير متكافئ مع كيان برتبة كلب حراسة لقوى الاستعمار الغربي يغدقون عليه بالأسلحة ويناوب على حماية مصالحهم الاستراتيجية في دوامة تاريخية استمرت منذ قرون ازداد المركز فيها ثراء وأثخنت الأطراف فقرا. في صراع كوني كهذا، أثبتت كل التجارب أن الطريق الوحيد للنجاة هو الخط الجذري، وكل ما تم انتزاعه من مكتسبات وحتى الفترات التي تأخذ فيها المواجهة طابع الإعداد والتجهيز في استقرار ردعي تفرضه المقاومة كالذي فرضه حزب الله بعد نصره الإلهي في تموز 2006 جاءت ثمن تضحيات ودماء تتدفق تباعا على ذات الطريق وشكل تراكمها الكمي تحولا نوعيا.

غزة: 17 تموز 2006

مركزية فلسطين التي حدثنا عنها سماحة السيد حسن نصر الله، هي التعبير الصريح على مكانة هذه القضية ليس على المستوى العربي فحسب، بل على المستوى الأممي، بحكم موقع هذا الكيان وما يقدمه للهيمنة من خدمات، وبحكم موقعنا، نحن محكومون بالبؤس والشقاء الأبدي مادام هذا الكيان يتنفس، وشاءت إرادة الدماء ومن اختاروا طريق "هيهات منّا الذلة" أن تثبت أن هذا الكيان أوهن من بيت العنكبوت ووهم من غبار، هذا الكيان المؤقت الذي خرج ذليلا من لبنان عام 2000، وانكسر جبروته في تموز عام 2006 وكسرت هيبته غزة في كل حروبها معه وجعلته عاجزا عن إنهاء حالة المقاومة فيها التي صارت مرتبطة بمحور يحارب السرطان الأمريكي الذي يعيش تحديات وجودية جدية وحقيقية كقوة هيمنة ما كانت لتكون لولا تضحيات تكمل بعضها البعض، والصلاة في القدس لم تعد مجرد عنوان يدغدغ أحلامنا، بل شعار مبني على أسس موضوعية وواقع يواجه فيه هذا الكيان الغاصب شعبا رفض الفناء ويمارس اشتباكا يوميا، يواجه فيها صواريخ دقيقة من لبنان، وجيشا من المقاتلين المدربين الحاضرين للشهادة تركه عماد مغنية وصار تعداده مئة ألف مقاتل، وصمود سورية أمام محاولة تطويعها وإقصائها من دورها العروبي المقاوم والمركزي في محور المقاومة، ونحن أمام ملايين في اليمن ما زادهم العدوان والقتل والحصار إلا تمسكا بفلسطين وثبات في البوصلة جعل الثكنة الاستيطانية الصهيونية توزع أنظمة دفاع جوي في أم الرشراش إيقانا منها بجدية التهديد اليمني لها، وعراقا أقسم على إخراج أمريكا، وإيرانا طوت مرحلة الشاه والاستعباد الأمريكي وصارت شريان لمحور مقاوم في أجمل صورة تحالف وأخوة كانت صورتها الأكثر بطولة أن يستشهد الحاج قاسم سليماني في العراق بطائرات أمريكية،.


في صراع "نكون أو لا نكون"، يعد تصوير مقاومة الشعب الفلسطيني والتي تعني الحفاظ على وجوده بحد ذاته، كامتداد لأطماع إيرانية مزعومة، أقذر تزييف تتم ممارسته على الوعي. ولا شك بأن الأقلام المنغمسة بالنفط الخليجي بادرت لإطلاق هذا المفهوم الاعتباطي الذي لا يحترم لا حقا ولا عقلا. وذات الأقلام راحت تمارس تنظيرها الاستعراضي تحت ظل عناوين تقنية في محاولة للتقليل من دور صواريخ المقاومة والتضخيم من انحرافات محتملة في مسارها لا تحصل إلا بنسب مئوية ضئيلة. وكان هذا أيضا التوجه الذي اعتمدته ماكينة دعاية العدو للتنصل مما تم توثيقه من اغتيال للأطفال، تظهره بنظر بنود القوانين الشكلية ومعايير الشرف العسكرية المزعومة في عقيدة الجيوش النظامية كجيش فاقد للشرف يستهدف الأطفال، وهذه المعايير في النهاية ليست رادعا ولا معيارا لتقييم جيش يمثل ثكنة استيطانية إحلالية هدفها إلغاء وجود شعب كامل.


في خضم حرب متكاملة الأركان على الإنسان، تشاء مراكز رأس المال أن تستلبه من راسبه التاريخي والثقافي وأن تزرع فيه نزعة الفردانية والخلاص الأناني، ليغدوا تابعا مجردا من أبسط مقومات الدفاع عن كرامته الإنسانية، يبقى نموذج الفداء والموت الطوعي من أجل الهدف المقدس كما يعبر عنه الشهيد مطهري هو الأكثر احتراما في جنوبنا العالمي ليس كرومانسية ثورية بل كقيمة حضارية فيها تجسيد لبلوغ الإنسان لأعلى مراحل الكمال والعطاء ليغدوا دمه مصدر حياة لمجموعة بشرية كاملة ودفعا لمعركة يخوضونها من أجل البقاء ، بدل الإمضاء على شهادات وفاة وعبودية طوعية تحكمنا تاريخيا بموت مجاني ذليل.

كوكبة شهداء سرايا القدس في معركة «وحدة الساحات»